فوزي آل سيف

85

أنا الحسين بن علي : صفحات من السيرة المغيبة عن الأمة

ورد في بعض الروايات، لكن هذا الاحتمال يعارضه ما ورد في روايات أخر من أنه كان يأتي كل يوم، ونفي بعضها الآخر أنه لم يرتضع من أنثى. وأما عدم قبول النفي الكلي لارتضاعه من أمه عليهما السلام، فلجهات: أولها: أن ما يثبت ذلك من النصوص ليس تامًّا فمصدره الأساس روايتا الكافي وقد عرفت حالهما من عدم الاعتبار. وثانيها: أن النبي صلى الله عليه وآله كان يغيب في هذه الفترة عن المدينة بالكامل تبعا لما تتطلبه ظروف الغزوات والقتال، ويكون على مسافات بعيدة منها، فكيف يكون (لم يرتضع أبدا من ثدي أنثى! ومن طه مراضعه)؟ وهب أنه يكفيه من الارتضاع من إصبع النبي أو لسانه اليومين والثلاثة، فماذا عن الفترات التي يغيب فيها النبي فترة قد تمتد إلى شهر من الزمان؟ وعلى سبيل المثال فإن أول غزوة كانت بعد ميلاد الإمام الحسين عليه السلام هي غزوة بدر الآخرة،(وهي غير بدر الكبرى) فقد قيل إنها وقعت في شعبان وقيل في ذي القعدة من السنة الرابعة للهجرة، حيث خرج النبي صلى الله عليه وآله على رأس قوة من المسلمين إلى بدر، وبدر تبعد عن المدينة بحوالي 120 كيلومتراً أي أنها تحتاج في الحد الأدنى إلى أربعة أيام للوصول إليها (مع ملاحظة أنهم كانوا يسيرون على الأقدام) ومثلها في الرجوع فهذه ثمانية أيام سوى أيام الاستراحة والانتظار لقريش - التي جبنت ولم تأت بحسب ما كان الاتفاق عليه - كما أنه صلى الله عليه وآله قاد الجيش لغزوة دومة الجندل في شهر ربيع الأول سنة 5 هـ (أي أن الحسين عليه السلام كان له حينها ثمانية أشهر)، ودومة الجندل تقع على بعد 600 كيلو متر أي تحتاج في الذهاب لحوالي اسبوعين ومثلها للعودة، أي سيكون النبي بعيداً عن المدينة في الحد الأدنى حدود شهر من الزمان، وكذلك باقي الغزوات التي حصلت في فترة السنتين الأوليين من حياة الإمام الحسين عليه السلام.